الفيض الكاشاني
110
سفينة النجاة والكلمات الطريفة
شَيْءٍ » « 1 » وقال سبحانه : « تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ » . « 2 » وإنّما فعلوا ذلك طلباً للرّياسة كما قلنا آنفا ، وأوقعوا الخلاف بين الأمّة ، فهم يهدمون الشّريعة ، ويوهمون مَن لا يعلم أنّهم ينصرونها . وبهذه الأسباب يتخرّب الأمّة [ وتحزّبت ] ، ويقع العدواة [ والبغضاء ] بينهم ، ويتأدّى إلى الفتن والحروب ، ويستحلّ بعضهم دماء بعض . فإن امتنع بعض مَن يعرف الحقّ من العلماء ، وخاطب بعض رؤساءهم في ذلك ، وخوّفه باللَّه ، وأرهبه من عذابه ، عدل إلى العوام ، وقال لهم هذا القول ، وأغرى العوام به ، ونسب إليه مِن القول ما لم يأت به شريعة ، ولا يقوله عاقل ، ولا يتمكّن ذلك العالِم مِن أن يبيّن للعوام كيف جرى الأمر في الشّريعة ، ويوقظهم عمّا هم فيه لأَلفهم بما قد نشأوا عليه خلفاً عن سلف . « 3 » وإذا رأى رؤساءهم ذلك وأنّ قلوب العلماء مشمأذّة من العوام ، جعلوا ذلك شرفاً لهم عندهم ، وأوهموهم أنّ ذلك انقطاع منهم عن القيام بالحجّة ، وإنّما سكوتهم وتحيّفهم لباطل يمنعهم ، وأنّ الحقّ هو ما أجمعنا عليه نحن [ الآن ] . فلا يزال ذلك دأبهم ، والرّؤساء لهم يتزايدون في كلّ يوم ، واختلافاتهم تزيد ، واحتجاجاتهم ومناظراتهم وجدلهم تكثر ، [ وجدالهم ينتشر ] حتّى هجروا أحكام الشّريعة ، وغيّروا كتاب اللَّه سبحانه بتفسيرهم له بخلاف ما هو [ به ] كما قال سبحانه : « يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ » . « 4 » وفي أصل أمرهم قد خربوا الأمّة من حيث
--> ( 1 ) - الأنعام / 38 . ( 2 ) - النّحل / 89 . ( 3 ) - المصدر : كيف جرى الأمر في الشّريعة وينبّههم على فساد ما هم عليه لما قدغلب عليهم من العصبيّة الّتي ألّفوها ، ونشأوا عليها ، وأخذوا خلف عن سلف . ( 4 ) - النّساء / 46 ، المائدة / 13 .